إيران

إيران

المصدر: مجلة "إيكونوميست" البريطانية / عدد نوفمبر 2014

بعد عقود من الحماس التبشيري، أصبحت إيران بلادا أكثر نضجا وحداثة، كما يقول أوليفر أغسطس.

من جبال القوقاز إلى مياه المحيط الهندي، يراقب الإيرانيون باهتمام حكومتهم وهي تساوم القوى الأجنبية حول العقوبات التجارية المفروضة لكبح برنامجها النووي. مشيرا إلى زاوية من مكتبه، قال لي صاحب مصنع تعليب: "أ ترى جهاز التلفزيون هذا؟ أشاهده ساعة بساعة، على أمل ورود أنباء عن رفع العقوبات".

تقول إيران إن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط. في حين يخشى الغرب، وهذا ليس مستبعدا، أن تصنع إيران قنبلة. وأملا في منع حصول سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، أعاقت أمريكا وحلفاؤها مشاركة إيران في التجارة الدولية. وبهذا، تضاءلت صادرات البلاد من النفط إلى نصف مستواه السابق.

من جانبها، كسرت الحكومة الإيرانية، علنا، عادة ارتبطت بعمر الثورة وأجرت مناقشات مفصلة مع دول تعتبرها معادية، بما في ذلك أمريكا. كما سوف يشرح هذا التقرير الخاص، فإن دوافع هذه المحادثات داخلية بقدر ما هي خارجية. ذلك أن جميع الأطراف حريصة على إيجاد حل لهذه المواجهة التي طال أمدها. تم تحديد الموعد النهائي للمفاوضات يوم 24 نوفمبر. وإن اتفاقا لتكبيل البرنامج النووي سوف يكون له عواقب جغرافية سياسية واسعة النطاق، ويمكن أن يدفع إيران نحو مزيد من الحداثة.

في الوقت الراهن، تبدو إيران مكروهة وغير موثوق بها في معظم أنحاء العالم الديمقراطي. ارتُكبت أشياء فظيعة باسم ثورتها. ونفى بعض قادتها حادثة المحرقة. اعتقلوا وعذبوا المواطنين الذين تجرأوا على تحديهم علنا. البلاد يمكنها حقا الاستعداد لصنع قنبلة. ولكن في الوقت الذي عُزلت فيه إيران عن العالم الخارجي، فقد فشلت في ملاحظة كيف تغير الإيرانيون كثيرا.

ما عادت إيران ذلك البلد الذي يغلي بالحقد وعازم على التدمير. بدلا من ذلك، غرقت الثورة في خيبة أمل وانحرافات منتصف العمر. وهذا ليس دائما مكانا لطيفا، ربما، كما إنه ليس شيطانيا أيضا.

لا شك في أنه من الصعب سبر أغوار إيران. يشعر الزوار في كثير من الأحيان بأنهم غير مرحب بهم. ولا يزال الصحفيون الذين تمكنوا من الحصول على تأشيرة ثمينة لزيارة إيران يغادرونها والشكوك تساورهم، مع أن قلة من الإيرانيين لا يترددون في التعبير عن أفكارهم.

لسنوات، رفضت الحكومة الإيرانية حتى تبادل المعلومات مع البنك الدولي. وشير جون ليمبرت، أحد الدبلوماسيين الأمريكيين الرهائن المحتجزين في طهران خلال العام 1979 الذي خدم بلاده حتى عام 2010، إلى أن "لا أحد تقريبا في واشنطن زار إيران منذ عقود".

ومع ذلك، فإن البلد قد تغير بشكل لا لبس فيه. ربما لا تزال الشكوك تساور النظام تجاه الغرب، وأزيز الطائرات من دون طيار يزرع الثورات في البلدان المضطهدة، ولكن قد ولَى الحماس الثوري والانسياق الباهت. إيران يئست من المتاجرة مع من سيشتري نفطها. فالعولمة انتصرت على التزمت حتى في مثل هذه القضايا.

الثورة باعتبارها القدوة السياسية لديها صلاحية محدودة. آدم ميشنيك، وهو المؤرخ الذي ساعد على الإطاحة بالسوفيت في بولندا، قال ذات مرة: "الثورات لها مرحلتان: أولا، يأتي النضال من أجل الحرية، ثم الصراع على السلطة. في الأولى، تسمو الروح البشرية ويبرز أفضل ما في الناس. وفي الطور الثاني فإنه يخرج الأسوأ: الحسد، التآمر، الجشع، الارتياب والرغبة في الانتقام"، وإيران أخذت بهذا النمط. في الأول، عمَت احتجاجات الشوارع الشجاعة أثناء ثورة 1979، ثم بدأ الاقتتال الداخلي وأعدم الآلاف وصودرت الممتلكات.

*النضال من أجل الاعتراف:

 يمكن القول، هناك مرحلة ثالثة للثورة: النضال من أجل القبول. ما إن تُؤمن السلطة، فإنه غالبا ما يسعى الثوار للاعتراف بهم من قبل الأطراف الخارجية القوية. في عالم معولم، هذا يعني التعامل مع الدول التجارية الكبرى.

وقد اتبع أبناء الثوار الإيرانيين، منذ فترة، هذا المسلك. شرف لهم ومفخرة تلقي التعليم الغربي والوصول إلى الأسواق الاستهلاكية الآسيوية. وحتى المتشددين حتى يسمحون لأطفالهم السفر إلى جميع أنحاء العالم.

ذرية آية الله روح الله الخميني، الذي قاد الثورة، أقبلوا على شبكة إينستاجرام )هو تطبيق مجاني لتبادل الصور وشبكة اجتماعية أيضا( وتبنوا العادات الغربية. وقد انتقد 7 من 15 حفيدا للخميني النظام علنا.

وأصبح العديد من الطلاب الذين احتجزوا الدبلوماسيين الأميركيين كرهائن قبل 35 عاما إصلاحيين ويرغبون في إقامة علاقات أوثق مع الغرب. إبراهيم أصغر زاده، الذي كان أحد المتحدثين باسم خاطفي الدبلوماسيين، ثم خدم في مجلس مدينة طهران، يقول الآن: "ما عدت أقوم بأي أعمال راديكالية، وأعتقد أن الإصلاحات التدريجية تستمر لفترة أطول من التغيير الجذري".

الإصلاحيين تعبوا بعد محاولتهم الفاشلة في عام 2009 لإلغاء الحكومة التي تعتبر غير شرعية بسبب تزوير الانتخابات. وهدأت الاحتجاجات، مذكرة بالسنوات التعيسة التي أعقبت الثورة.

منذ ذلك الحين، تنكر الإصلاحيون للعنف السياسي في البلدان المجاورة. المحافظون، من جانبهم، رأوا في الثورة تهديدا لمصالحهم في الخارج. الأنظمة التي رعوها في العراق وسوريا تقاتل التمرد لا تختلف عن إيران من الداخل عام 1979. "الجميع خائفون من تداعيات الربيع العربي"، كما قال دبلوماسي غربي في طهران. وأضاف: "إيران هي الآن حصن للاستقرار. وقد سُويت مسألة صلاحية النظام".

ويرى الكثيرون في البرنامج النووي باعتباره رمزا للقوة الوطنية في زمن التغيرات الاجتماعية المعقدة والمربكة.

لكن، رغم تضاؤل الحماس الثوري، فإن الثورة الإيرانية عام 1979 لا تزال هي نفسها مصدرا لشرعية النظام. كثير من الإيرانيين، أو على الأقل الفرس منهم، لا يزالون يربطون التحرر الوطني بالاضطهاد الأجنبي.

لأنهم ليسوا عربا ولا أتراك ولا من جنوب آسيا، فإنهم يشعرون بأنهم بلا صديق بين جيرانهم. وهذا أمر مهم لفهم السياسة الخارجية الإيرانية، ويساعد على تفسير لماذا يحظى البرنامج النووي بدعم شعبي واسع النطاق رغم ألم العقوبات، حيث يعتبر الكثيرون أنه رمز للقوة الوطنية في زمن التغيرات الاجتماعية المربكة والمعقدة. وسوف يتناول هذا التقرير الخاص تأثير تلك التغييرات في السياسة الإيرانية، اقتصادها وموقعها في العالم.

وقد أدان المتشددون منذ فترة طويلة كتاب "الأوروبة" (عنوان كتاب لمؤلفه الأديب جلال الأحمد نُشر في 1962)، ولكنهم محاطون الآن في حياتهم اليومية بالسلع الاستهلاكية الغربية وألعاب الكمبيوتر، مثل الجمال وأدوار الجنسين والكثير من التأثيرات الأخرى. لم تختف الثقافة الإيرانية، ولكن المجتمع التقليدي الذي تخيله آباء الثورة انحسر أكثر من أي وقت مضى.

ويكمن التحول الأكثر وضوحا في البنية التحتية العامة. طهران، العاصمة، هي مجموعة متشابكة من الأنفاق الجديدة والجسور والطرق وممرات المشاة المرتفعة. وترتفع الأبراج اللامعة بأعداد كبيرة، على الرغم من العقوبات. وتعرض شاشات في محطات الحافلات المواعيد بدقة. يقول جاك سترو وزير الخارجية البريطاني السابق وزائر منتظم لإيران، إن "تبدو طهران في هذه الأيام أشبه بمدريد وأثينا من مومباي أو القاهرة".

وحتى المدن الإيرانية الصغرى تغيرت ربما أكثر من ذلك، حيث تعمل تبريز وشيراز وأصفهان على مدَ خطوط السكك الحديدية تحت الأرض. نصف الحمامات التقليدية في قزوين، وهي مدينة صناعية غرب طهران، قد أُغلقت في السنوات الأخيرة. في الطابق السفلي بسقف مقبب بُني قبل 350 عاما، يتحسر مدير حمام بائس على خسارة منافس يبلغ من العمر 700 عاما: "الناس لديهم الآن حمامات الماء الساخن".

وفي Yalayesh، قرية معزولة بالقرب من بحر قزوين، يبقى الترفيه من الطراز القديم: رجل كردي قوي، إسماعيل البطل، يظهر قبالة أسد في قفص على ظهر شاحنته الزرقاء. منذ عامين انتهت الحكومة من إيصال الغاز الطبيعي إلى كل بيت، مما يجعل فصل الشتاء بدرجة حرارة -20ºC "محتملا لأول مرة"، يقول أحد المشاهدين.

خلال فترة رئاسة استمرت ثماني سنوات لمحمود أحمدي نجاد، والي انتهت في عام 2013، انتشر الرخاء بسرعة. القروض، الهبات وبرامج السكن الاجتماعي، مع الفساد وعدم كفاءة التسيير، أمطر مليارات الدولارات النفطية على الفقراء.

توفرت العديد من وظائف الياقات البيضاء في الأجهزة الحكومية، تضخمت الطبقة الوسطى وتدفق القرويون إلى طهران لشراء العقارات، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد من 4400 دولار في عام 1993 إلى 13200 دولار في العام الماضي. فرغم العقوبات، لا تبدو إيران محاصرة وكأنها كوبا. فالناس يقودون سيارات جديدة مصنوعة محليا وليس سيارات من طراز "شوفروليه" خمسينيات القرن الماضي. صحيح أن الحياة أصبحت أصعب عندما تم تشديد العقوبات في عام 2011، ولكن حتى الآن يعيش الإيرانيون أفضل بكثير من معظم جيرانهم.

وقد أثار الازدهار هاجس التكنولوجيا، بحيث لا يمكن للقيود المفروضة على استخدام الإنترنت أن تضعفه. الفيسبوك هو أهم وسيلة لنصف الشباب في البلاد، ويستخدم تويتر من قبل المسؤولين لنشر البيانات، رغم أنهما محظوران.

ذلك أن منظمة "فريدوم هاوس"، وهي جماعة ضغط أمريكية لحقوق الإنسان، تصنف إيران في المرتبة الأخيرة في العالم من حيث حرية الانترنت، ولكن في الواقع الوصول إليه رخيص وسريع. (والمفارقة أنه أسرع بكثير قرب المعاهد الدينية، لأن رجال الدين يستعملون الانترنت لنشر الدين والوعظ ولهم الأولوية في كابلات الألياف البصرية).

ورغم أن الدولة تتحكم في وسائل الإعلام، فإن الأخبار غير الخاضعة للرقابة متاحة بسهولة. المواقع الأجنبية مثل مكتب طهران، ومقرها في لندن، تملأ الفراغ. ويصل إليها الإيرانيون باستخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN).

والجميع تقريبا لديه خط اتصال. وقد أومأ مجموعة من المزارعين وهو جلوس تحت شجرة في جبال ألبرز، بحذر، عندما سئلوا عن استعمال الإنترنت. وشرح لي لاحقا واحد منهم أن معظم المجموعة يفضلون تحميل "أفلام إباحية"، لهذا كان جوابهم على سؤالي خجولا...

"وتحاول الحكومة وضع ضوابط، ولكن الناس على دراية جيدة بكيفية التهرب منها"، كما يقول أحد المدونين الإيرانيين الأوائل. وهناك الكثير من الجهد قد بُذل في محاولة لمحاكاة إستراتيجية الصين لإنشاء المواقع المحلية التي يمكن السيطرة عليها، مثل محرك البحث: salam.ir...

العطش لحرية المعلومات نابع من ارتفاع مستويات التعليم، والتي هي الآن مماثلة لتلك الموجودة في الدول الغربية. في عام 2009، ذهب 34٪ من الإيرانيين في الفئة العمرية المعنية إلى الجامعة. بعد ثلاث سنوات ارتفعت النسبة إلى 55٪، وقيل إن زادت أكثر من ذلك الآن، ومعظمها بفضل التوسع الضخم لجامعة آزاد، والتي لديها الآن أكثر من 100 فرع تابع لها ويبلغ عدد طلابها مليون ونصف.

لدى الحكومة الإيرانية من حملة الدكتوراه من الجامعات الأمريكية أكثر من أمريكا نفسها. الرئيس حسن روحاني حصل على شهادة الدكتوراه من اسكتلندا. ووفقا لـSCImago، وهي شركة إسبانية تراقب المجلات الأكاديمية، زاد الإنتاج العلمي في إيران بنسبة 575٪ خلال العقد الماضي. وينشر هذا البلد ما يعادل ثلاث مرات الكتب التي تنشرها الدول العربية مجتمعة.

وقد عمل نظام التعليم الذي توسع بشكل كبير وبذل جهودا خاصة للوصول إلى الأسر الفقيرة والريفية، على أداء دور الباعث والمحفز على التفكير المستقل. وفُتح عالم الفن. سيناريوهات الفيلم لا تزال تتطلب موافقة، غير أن المواضيع الدينية قد تلاشت. وما عادت الثقافة مجرد أداة دعاية.

أحد آثار هذه التغيرات الاجتماعية هو التحول الديموغرافي، إذ إن إيران تتحول بسرعة إلى بلد متوسط العمر.

فبعد الثورة ارتفع معدل المواليد، ولكن ما إن أصبح الإيرانيون أكثر ازدهارا وتعليما انخفضت المعدلات في نهاية المطاف إلى دون مستويات ما قبل الثورة. تضاعف حجم السكان منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولكن انخفض عدد المواليد إلى النصف.

كما إن إيران ليست مهتمة كثيرا بالدين. غالبية الإيرانيين هم من المسلمين الشيعة. وعموما، تركيزهم على العبادات العامة أقل من السنة، ولكن ذلك وحده لا يمكن أن يفسر العديد من المساجد الفارغة.

صلاة الجمعة في جامعة طهران، المكان الذي تُلقى فيه المواعظ السياسية من قبل رجال الدين والقادة، تتميز بحضور جيد، ولكن في المحافظات الأمر مختلف. قلة من المصلين يرتادون المسجد الرئيس في زنجان قرب الحدود مع اذربيجان.

وكان كل هذه التغيرات الاجتماعية لها تأثير واضح في السياسة الإيرانية. ففي الانتخابات الرئاسية العام الماضي تركز معظم النقاش حول أفضل المسيرين من بين المرشحين، حتى وسط المحافظين. قليلون، فقط، ركزوا على الدين، الذي كان ينظر إليه على أنه تصويت خاسر.

يقول ناصر هديان، وهو باحث ومستشار حكومي، إن "الأيديولوجية فقدت قوتها وتأثيرها في السياسة الداخلية"...وما عادت تحظى مثالية الزمن الماضي في محبة الموت إلا باهتمام القلة.

وقد انتهج الفائز في انتخابات العام الماضي، السيد روحاني، مسلكا معتدلا. وتتشكل حكومته من التكنوقراط الواقعيين بدلا من القوميين المتعصبين. وقد منح الشعب الإيراني مزيدا من الحرية، رغم أن العديد من القيود لا تزال قائمة. وكما أفاد صحفي محلي بالقول: "يمكننا الآن طباعة الأشياء التي كانت محظورة في العام الماضي، ولكن بالطبع ليس كل شيء"، تراجع الحجاب، ولكن النساء اللواتي تخلصن منه تماما قد يتعرضن للاحتجاز من قبل "شرطة الأخلاق".

يبدو أن السيد روحاني يدرك أن حروب الماضي قد ألحقت الضرر بإيران. في مقال نشر في صحيفة واشنطن بوست في العام الماضي كتب يقول: "يجب أن نعمل معا لإنهاء المنافسات غير الصحية والتدخلات التي تغذي العنف وتُباعد بيننا"، لكن هل كان يعني ما يقول، وإذا كان الأمر كذلك، فهل ستدعمه بقية المؤسسة؟ ...يتيع

[ad_2]

Source link